العالم يهجر العواصم... لكن سيول وطوكيو تشهدان تدفقاً متزايداً

  • انخفاض التركز السكاني في 24 دولة من أصل 37 دولة بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بسبب ارتفاع أسعار العقارات وانتشار العمل من المنزل

  • 70% من موظفي اليابان يفضلون العمل في منطقة طوكيو الكبرى... لكن الفجوة في الدخل المتاح للفرد تتناقص تدريجياً

المصدر: توقعات التحضر العالمي للأمم المتحدة 2025 وتوقعات السكان العالمي 2024
[المصدر=توقعات التحضر العالمي للأمم المتحدة 2025 وتوقعات السكان العالمي 2024]


يشهد العالم تراجعاً في تركز السكان في العواصم والمناطق الكبرى الأخرى. ويعود ذلك إلى ارتفاع أسعار العقارات وانتشار نظام العمل من المنزل، مما يدفع الأفراد إلى الهجرة خارج هذه المناطق. غير أن الحالة مختلفة تماماً في اليابان وكوريا الجنوبية، حيث يتجه التيار نحو العواصم بحثاً عن رواتب أعلى وفرص عمل أفضل. إلا أن الفجوة في الدخل المتاح للفرد بين العاصمة والمتوسط الوطني آخذة في الانخفاض. وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت الفوائد الاقتصادية كافية لتبرير العيش في هذه المناطق المكتظة ذات تكاليف الإسكان والمعيشة المرتفعة.

أجرت صحيفة نيهون كيزاي شينبون تحليلاً على أساس تقرير الأمم المتحدة «توقعات التحضر العالمي 2025» لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، باستثناء أستراليا التي لا تتوفر بيانات عنها، والتي بلغ عددها 37 دولة. تُعرّف الأمم المتحدة المناطق التي تتجاوز كثافتها السكانية حداً معيناً بـ «المناطق الحضرية»، وتصنف المناطق التي تضم العاصمة بصفتها «مناطق العاصمة». وبدلاً من الاعتماد على الحدود الإدارية، يعتمد التصنيف على كثافة السكان الفعلية. وبناءً على ذلك، فإن منطقة طوكيو تضم محافظة طوكيو والمحافظات الثلاث المجاورة (كاناغاوا وتشيبا وسايتاما)، وهي أصغر قليلاً من الحدود الإدارية. بلغ المتوسط لـ 37 دولة ذروته عند 16.9% في سنة 2021، ثم انخفض لاحقاً. وفي سنة 2023 (آخر إحصائية متاحة) تابع الانخفاض. شهدت 24 دولة، بما فيها ألمانيا والنرويج، انخفاضاً في التركز السكاني في العاصمة.

في سنة 2023، ارتفع عدد سكان منطقة العاصمة الفرنسية بمقدار 7000 نسمة فقط مقارنة بالسنة السابقة، وهو ما يمثل سُبع معدل النمو من قبل عشر سنوات. وحتى هذا النمو المحدود يعود إلى الزيادة الطبيعية في عدد السكان (المواليد يفوقون الوفيات). في منطقة إيل دو فرانس، التي تتطابق حدودها تقريباً مع العاصمة الفرنسية، كان عدد المغادرين خلال الفترة من 2017 إلى 2023 يفوق المقدمين بمتوسط 36000 نسمة سنوياً. وبالنظر إلى تحركات السكان وحدها، يتضح أن الناس يغادرون العاصمة الفرنسية بالفعل.

عندما يتجمع السكان والشركات في منطقة واحدة، يعملان على تخفيض التكاليف من خلال مشاركة البنية التحتية، وتعزيز الابتكار من خلال التفاعلات الحيوية. وهذا ما يُعرف بـ «اقتصاديات التجمع». إلا أنه عندما يصبح التركز مفرطاً، تؤدي الاختناقات المرورية إلى تقليل الإنتاجية، وترتفع تكاليف الإسكان مما يقلل القدرة الشرائية.

يعتبر ارتفاع أسعار العقارات هو المحرك الرئيسي لهجرة السكان خارج العاصمة. وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ارتفعت أسعار العقارات في المناطق الحضرية الكبرى (التي يزيد عدد سكانها على 1.5 مليون نسمة) بحوالي 68% على مدى السنوات العشر الأخيرة. في حين أن أسعار العقارات في المناطق الحضرية التي يتراوح عدد سكانها بين 250000 و1.5 مليون نسمة ارتفعت بنسبة 50%، وفي تلك التي يتراوح بين 100000 و250000 نسمة بنسبة 37%. كلما كانت المدينة أكبر، كلما كان الارتفاع أكثر حدة، مما جعل أسعار العقارات في المدن الكبرى بعيدة المنال حتى للطبقة الوسطى. أشارت المعهد الفرنسي الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية أيضاً في تقريره الصادر العام الماضي إلى أن ارتفاع تكاليف الإسكان أصبح عاملاً يدفع الناس إلى مغادرة المدن.

أسفر انتشار العمل من المنزل في أعقاب جائحة كوفيد-19 عن تقليل الحاجة إلى العيش في العاصمة. ففي مدينة دبلن عاصمة أيرلندا، فاق عدد المغادرين عدد القادمين بـ 4780 نسمة في سنة 2022. اعتبر المكتب المركزي للإحصاء الأيرلندي هذه النتيجة انعكاساً للتغير في أنماط الهجرة السكانية نتيجة لانتشار العمل من المنزل وعوامل أخرى.
 
شارع في منطقة شيبويا بطوكيو [الصورة: مصرف الصور جيتي إيميجز]
شارع في منطقة شيبويا بطوكيو [الصورة: مصرف الصور جيتي إيميجز]


التوجه في اليابان معاكس تماماً. منطقة طوكيو، التي تتسم بطابع مركزي قوي، شهدت تركزاً سكانياً بنسبة 27% في سنة 2023، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 27.6% بحلول سنة 2030. في كوريا الجنوبية، ارتفعت النسبة من 42.1% في سنة 2010 إلى 43.3% في سنة 2023. في نفس السنة، كانت نسبة التركز السكاني في المملكة المتحدة 14.9%، وفي فرنسا 14.1%، بينما لم تتجاوز في ألمانيا 4.2%. اليابان وكوريا الجنوبية تتميزان بنسب عالية بشكل استثنائي. تجدر الإشارة إلى أن الأرقام الكورية تستخدم منهجية الأمم المتحدة القائمة على كثافة السكان، وبالتالي فهي أقل من الإحصائيات المحلية التي تجمع كامل المناطق الإدارية لسيول وإنشيون وإقليم جيونجي (50.7% في سنة 2023). غير أن الاتجاه العام واحد بغض النظر عن المعايير المستخدمة. في الدول الرئيسية حول العالم، يدفع ارتفاع أسعار العقارات الناس إلى مغادرة العاصمة، بينما في اليابان وكوريا الجنوبية، تفوق التوقعات المتعلقة بالوظائف والدخل آثار ارتفاع الأسعار، مما يجذب المزيد من السكان.

يلعب توقع الحصول على رواتب أعلى الدور الأساسي في اختيار موظفي اليابان للعمل في منطقة طوكيو. أظهرت نتائج استطلاع أجرته شركة بيرسول كاريير (المتخصصة في معلومات التوظيف) من خلال مختبرها الشامل للوظائف، والتي شملت الموظفين، أن 70% منهم يختارون العمل في محافظة طوكيو والمحافظات الثلاث المجاورة (كاناغاوا وتشيبا وسايتاما). وكان السبب الأساسي للتفضيل هو «إمكانية الحصول على راتب أعلى».

غير أن العائد قد لا يكون مساوياً للتوقعات. وفقاً لحسابات أجراها موراكامي كازويا، كبير الباحثين في قسم الأبحاث بمصرف ميتسوي سوميتومو للائتمان، بناءً على إحصائيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، انخفض الدخل المتاح للفرد في منطقة طوكيو من 1.118 مرة المتوسط الوطني في سنة 2015 إلى 1.084 مرة في سنة 2022. وفي كوريا الجنوبية، انخفضت النسبة من 1.143 في نفس الفترة إلى 1.117. يستمر السكان في التدفق إلى هذه المناطق، إلا أن ميزة الدخل مقارنة بالمتوسط الوطني آخذة في الانخفاض.

اتخذت إندونيسيا خطوة بنقل العاصمة من جاكرتا المكتظة بالسكان إلى نوسانتارا، وقامت كوريا الجنوبية بنقل بعض الوظائف الحكومية إلى مدينة سيجونج، وذلك في محاولة للتخفيف من التركز السكاني المفرط في العاصمة. قال البروفيسور ساتو ياسوهيرو من جامعة طوكيو: «بناء مراكز حضرية تجمع صناعات مختلفة عن تلك الموجودة في طوكيو يمكن أن يوزع المخاطر عندما تفقد الصناعات القائمة قدرتها التنافسية. وعند الأخذ في الاعتبار أيضاً مخاطر الكوارث الطبيعية، يصبح من المعقول تقليل التركز السكاني في منطقة العاصمة».

في حين تشهد دول العالم الرئيسية هجرة سكانية من العواصم بسبب ارتفاع أسعار العقارات، فإن مدينتي طوكيو وسيول لم تشهدا حتى الآن مثل هذه الحركات بشكل واضح. ويعود السبب إلى أن التوقعات المتعلقة بالرواتب الأعلى لا تزال تفوق عبء تكاليف الإسكان.



* تمت ترجمة هذا المقال تلقائيًا بواسطة الذكاء الاصطناعي.