وفاة رئيس الوزراء الصيني الأسبق جو رونغ جي: المعماري الذي فتح أبواب الصين أمام منظمة التجارة العالمية

صورة أرشيفية للرئيس الأسبق جو رونغ جي [الصورة: وكالة رويترز]
صورة أرشيفية للرئيس الأسبق جو رونغ جي [الصورة: وكالة رويترز]
توفي جو رونغ جي (朱鎔基)، رئيس مجلس الدولة الصيني الأسبق، صباح أمس في بكين عن عمر يناهز 98 عاماً. من بين إنجازاته البارزة في التاريخ الاقتصادي الصيني، يبرز انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) في ديسمبر 2001.

جعل الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية الصين قادرة على التخلص بشكل نهائي من الأزمات الاقتصادية التي خلفتها أحداث ساحة تيانانمن والموجات التضخمية، وفتح الباب أمام أكثر من عقيين من النمو الاقتصادي المتسارع. في أعقاب أحداث ساحة تيانانمن عام 1989، وجدت الصين نفسها معزولة تحت وطأة العقوبات والحصار الغربي. غير أنها واجهت أزمة أخرى خلال التسعينات عندما ضربتها موجة تضخمية حادة تجاوزت نسبة التضخم فيها 20 في المائة، مما هز أساس إنجازات الإصلاح والانفتاح. كان جو رونغ جي هو الرجل الذي أوقف هذه الأزمة.

بدأ جو رونغ جي حياته الإدارية في مجال التخطيط الاقتصادي. تولى منصب رئيس بلدية شنغهاي عام 1988، وحظي بثقة دينغ شياوبينغ وجيانغ تسه مين (الرئيس الأسبق). ارتقى إلى منصب نائب رئيس الوزراء عام 1991، ثم إلى عضوية اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي عام 1993. خلال فترة ولايته كنائب رئيس وزراء، نجح في كبح جماح التضخم المرعب من خلال سياسات انكماشية قوية والتحكم بالنظام المالي، مما كسبه ثقة عموم الشعب الصيني.

عندما تولى جو رونغ جي منصب رئيس الوزراء عام 1998، كانت أولى مهامه الأساسية تحقيق انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. في تلك الفترة، كانت الصين تحمي سوقها المحلية بشدة من خلال رسوم جمركية مرتفعة وحواجز غير جمركية متعددة. كما كانت الصادرات الصينية تواجه رسوماً جمركية مرتفعة عند دخولها الأسواق الأجنبية. علاوة على ذلك، كانت هناك قيود متراكمة على دخول الشركات الأجنبية إلى السوق الصينية. كانت الحواجز الجمركية الصينية تتجاوز 40 في المائة، والمشروعات الحكومية لم تكن قد خاضت تجربة المنافسة السوقية، والقطاع المالي ظل مغلقاً أمام رؤوس الأموال الأجنبية. كان على الصين أن تحسم كل هذه المسائل كي تحصل على موافقة الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى على انضمامها إلى المنظمة.

دفع جو رونغ جي بقوة نحو إعادة هيكلة المشروعات الحكومية غير الفعالة، مما أسفر عن تصفية وتدمج عشرات المشروعات الحكومية. في هذه العملية، فقد عشرات الملايين من عمال المشروعات الحكومية وظائفهم، التي كانت تعتبر في السابق وظائف مدى الحياة. كانت هذه قرارات محفوفة بالمخاطر يمكن أن تزعزع شرعية حكم الحزب الشيوعي ذاتها. أنشأ شركات لإدارة الأصول في البنوك الحكومية التي كانت تعاني من الديون المتعثرة، وفصل الديون السيئة وأعاد تنظيم البنوك على أساس تجاري. خفض الرسوم الجمركية بأكثر من النصف وطرح حتى القطاعات الحساسة مثل الزراعة والاتصالات والسيارات على طاولة المفاوضات. كانت كل هذه الإجراءات مصحوبة بمقاومة شرسة من الفئات المستفيدة محلياً والمخاطر السياسية الناجمة عن الزيادة الحادة في البطالة. كانت الوضعية حساسة جداً بحيث أن أي خطأ بسيط قد يؤدي إلى انهيار الإصلاح برمته.

كما لم تكن الظروف الخارجية مواتية. تفاوض جو رونغ جي مع الولايات المتحدة في واشنطن في أبريل 1999 وتوصل إلى اتفاق ثنائي، لكن العلاقات الصينية الأمريكية تجمدت بعد شهر واحد عندما قصفت طائرات حلف الناتو السفارة الصينية في يوغوسلافيا (صربيا حالياً) بالخطأ، مما أدى إلى حدوث أزمة في مسيرة الانضمام.

رغم ذلك، تمكنت هذه الجهود من الاكتمال بسرعة بفضل قوة إمساك جو رونغ جي بالمبادرة وكاريزميته، وكذلك إيمانه الراسخ الذي لم يتزعزع. لولا حزمه في المضي قدماً بغض النظر عن معارضة القوى المعارضة، وتضلعه في التفاصيل الفنية للعمل، ورؤيته الواضحة لضرورة دخول الصين إلى النظام الاقتصادي العالمي، لكان هناك احتمال كبير بأن تتعطل إعادة هيكلة المشروعات الحكومية والانفتاح المالي وخفض الرسوم الجمركية في منتصف الطريق أو تفشل تماماً.
شاشة عملاقة في بكين تعرض نبأ وفاة الرئيس الأسبق جو رونغ جي مساء أمس [الصورة: وكالة رويترز]
شاشة عملاقة في بكين تعرض نبأ وفاة الرئيس الأسبق جو رونغ جي مساء أمس [الصورة: وكالة رويترز]
بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في ديسمبر 2001، شهدت الدولة تحولاً جذرياً. مع انخفاض الحواجز الجمركية وتدفق الاستثمارات الأجنبية، برزت الصين بسرعة كمصنع للعالم. وفقاً للبنك العالمي، ارتفع معدل نمو التجارة الصينية من 13.9 في المائة سنوياً خلال الفترة 1979-2001 إلى 21.6 في المائة بعد الانضمام إلى المنظمة، بينما زادت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحوالي عشرة أضعاف خلال الفترة ذاتها.

انفجرت الصادرات، واحتياطيات الصرف الأجنبي نمت بسرعة مذهلة. تلاشت ظلال أحداث ساحة تيانانمن والموجات التضخمية سريعة الخطى تحت وهج النمو الاقتصادي المتسارع. تعزز تنافسية الصناعة التحويلية الصينية بشكل غير مسبوق. مع توافد الشركات الأجنبية على الصين، نقلت معها خبراتها وتكنولوجيتها إلى الصين. علاوة على ذلك، أدى تدفق الشركات الأجنبية إلى تعزيز إصلاحات الصين السوقية.

أرست القاعدة الصناعية التي تم بناؤها في تلك الفترة الأساس لاحقاً للصين لكي تحتل المركز الأول عالمياً في إنتاج الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية والبطاريات. وأفضى ذلك إلى نمو شركات تكنولوجيا المعلومات مثل علي بابا وتينسينت وهواوي، مما وفر التربة الصناعية اللازمة لظهور شركات متخصصة في الذكاء الاصطناعي مثل ديب سيك.

في قاع المنافسة الصينية الأمريكية المعاصرة التي تنافس فيها الدولتان على الريادة العالمية، يرقد الحجر الأساسي الذي وضعه جو رونغ جي: انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. لقد غادر رجل إصلاح عصر كامل الدنيا، لكن موجة الانفتاح التي دفع بها بكل قوته لم تتوقف بعد. حتى في هذه اللحظة التي تواجه فيها الولايات المتحدة والصين بعضهما البعض من أجل الهيمنة على الاقتصاد العالمي، فإن نقطة انطلاق هذه المنافسة تعود إلى الباب الذي فتحه جو رونغ جي قبل خمسة وعشرين عاماً: منظمة التجارة العالمية.



* تمت ترجمة هذا المقال تلقائيًا بواسطة الذكاء الاصطناعي.